وهبة الزحيلي
290
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المفردات اللغوية : سَبَّحَ لِلَّهِ أي نزهه كل شيء من كل نقص وعما لا يليق به من صفات الحوادث كالشريك والولد ، وإنما عدّي باللام وهو معدّى بنفسه ، مثل نصحت له ونصحته ، إشعارا بأن إيقاع الفعل لأجل اللّه وخالصا لوجهه . وذكر في القرآن : سَبَّحَ كما في آخر السورة السابقة الواقعة وأول الأعلى للأمر بالتسبيح ، وذكر هنا وفي الحشر والصف بلفظ الماضي ، وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع ، إشعارا بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته ، وكله يدل على الديمومة والاستمرار ، وأن ذلك ديدن من في السماوات والأرض ، وجاء بلفظ المصدر سُبْحانَ أول الإسراء ، إشعارا بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال . ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جيء ب ما وليس « من » تغليبا للأكثر من غير العقلاء . وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ القوي في ملكه فلا ينازعه فيه شيء ، الحكيم في صنعه ، والجملة حال يشعر بما يدل على أنه الأهل للتسبيح مع استغنائه . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ أي إن سبب التسبيح كونه تعالى مالكا السماوات والأرض ، وله تمام التصرف في الملك ، وهو إيجاد ما شاء ، وإعدام ما شاء بقدرته على الإحياء والإماتة . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قادر تام القدرة على كل شيء من الإحياء والإماتة وغيرهما . هُوَ الْأَوَّلُ السابق على سائر الموجودات ، والموجود قبل كل شيء بلا بداية ، لأنه موجد الأشياء ومحدثها . وَالْآخِرُ الباقي بعد فناء الموجودات ، والموجود بعد كل شيء بلا نهاية . وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ الظاهر وجوده لكثرة دلائله ، والباطن : حقيقة ذاته ، فلا تحيط به العقول والحواس ، وخفيت عنه ذاته ، فهو ظاهر بآثاره وأفعاله ، وباطن بذاته . فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ستة أطوار . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الكرسي استواء يليق به . يَلِجُ يدخل . فِي الْأَرْضِ من كنوز ومعادن وبذور ومطر وأموات . وَما يَخْرُجُ مِنْها كالنبات والمعادن لمنفعة الناس . وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالمطر والرحمة والملائكة والعذاب وغير ذلك . وَما يَعْرُجُ فِيها كالأبخرة والأعمال والدعوات . وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أي بعلمه وقدرته ، لا يفارقكم بحال ، فليس المراد المعية بالذات . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم عليه ، وتقديم الخلق في الآية على العلم ، لأنه دليل عليه . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الموجودات جميعها . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يدخل أحدهما في الآخر بالزيادة والنقص ، فيزيد الليل وينقص النهار تارة ، وعلى العكس تارة أخرى . وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما فيها من الأسرار والمكنونات ، والنوايا والخفايا والمعتقدات .